بيروت: فراغ ويأس

 ترجمه‫/‬ته الى العربية‫:‬ وليد ضو  

 

 

في القسم الأول من شهر أيار/مايو غرقت بيروت برائحة مقرفة ناجمة عن تخمر أكوام النفايات التي تجمعت منذ الصيف الماضي. وسط النفايات، الحرارة والفوضى جهزت بيروت نفسها للانتخابات البلدية. بعد ظهر أحد الأيام كنت أتجول في مدينتي بسيارة أجرة إلى جانب سائقها، الذي استمر، طوال الطريق، بالتفاخر، خلال حديثه معي، عن مغامراته الجنسية. ببطء، وصلنا أمام مخفر الجميزة، في هذه اللحظة أصبحت جولتي مع سائق سيارة الأجرة مسلية. كانت سيارة رباعية الدفع بيضاء اللون تابعة للقوى الأمنية يحاول سائقها ركنها أمام المخفر. اجتاج المشهد اهتياج وصراخ الفاليه باركينغ الذي ظهر فجأة وركض باتجاه السيارة الأمنية وضرب بيده على غطاء محركها المغبر وهو يصرخ: “وقف! وقف! شو مفكر حالك عم تعمل؟ ما فيك توقف هون لأنو اليوم نهار الجمعة، هيدا المحل محجوز”. مرت ثوان وجيزة، أعاد الشرطي، المصعوق المتجمد خلف مقوده، سيارته إلى وسط الطريق. ازدحم السير خلفنا، وأطلق سائقو السيارات زماميرها احتجاجا. عند مدخل المخفر كان هناك شرطي آخر فاقترب بخجل من زميله سائق السيارة الأمنية وطلب منه إعادة ركنها في نفس المكان. وما إن شعر الفاليه باركينغ بأنه جرى تجاهله دخن مجة من سيجارته واستشاط غضبا مطلقا سلسلة من الشتائم تجاه رجلَي الأمن أنهاها بالتالي: “يللا يا عرص، روح من هون، روح وقف بغير محل، يللا من هون بسرعة”. بعد أن أطلق تحذيره وتهديده لسائق السيارة، أعادها الأخير إلى الطريق وذهب بعيدا. أما الشرطي الثاني فقد غادر الرصيف متجنبا النظر إلى الفاليه باركينغ متقهقرا هو وبندقيته التي كان يضعها خلف ظهره وتتدلى بين قدميه كذنب كلب ودخل إلى المخفر. كما لو كنا نشاهد تلفزيون الواقع، حيث تابعتُ مع سائق سيارة الأجرة مشهدا يظهر ديناميات القوة في شوارع بيروت. وتحت وقع الصدمة التي صعقتنا والمفاجأة والتسلية، نظرنا إلى بعضنا البعض وقلنا في نفس الوقت: “شفت شو صار هلأ؟” تناول سائق سيارة الأجرة سيجارة من علبته وقال كما لو كان يحدث نفسه: “ليك المنيك! هالولد يللي بيصف سيارات الناس عندو سلطة أكتر من الشرطة يللي بتراقبنا”. فشفط مجة كبيرة من سيجارته مطلقا الكثير من الدخان وتعليقه الأخير: “الله يلعن هالبلد”.

وقد علمتُ لاحقا أن منطقة الجميزة خاضعة لنفوذ حزب الكتائب وأن شركة الفاليه الباركينغ هي واحدة من مكونات هذا النفوذ. كما تجدر الإشارة إلى أن مخفر الجميزة سيء السمعة لقمعه المتظاهرين السلميين واللاجئين والعمال الأجانب.

خلال شهر أيار/مايو، احتلت صور وجوه المرشحين المفعمة بالأمل إلى الانتخابات البلدية جدران بيروت. كانت المنافسة بين الحملات خلال الانتخابات البلدية في بيروت محمومة، وكانت فرصة لأصحاب المشاريع والأفراد الطموحين القادرين على الحلم والمشاركة في المهزلة الديمقراطية. ومثل كل الانتخابات السابقة في لبنان، كانت الانتخابات هذه السنة فرصة لكسب المال، خاصة لشركات الإعلان ومحلات الطباعة وفرصة للكثيرين لبيع أصواتهم. بشكل أساسي، الانتخابات البلدية كشفت محدودية نفوذ المجتمع المدني وجردت بعض السياسيين من مؤيديهم: لقد خلقت فراغا. وبالتالي، كانت أهم نتيجة للانتخابات البلدية في بيروت هو انكشاف الفراغ السياسي. فقد شارك في الانتخابات 20 بالمئة من الناخبين، مقابل امتناع صارخ لـ 80 بالمئة من الأغلبية المكتئبة.

توقعات مختلفة، فقاعات (غير) مختلفة

خلال الانتخابات تباينت توقعات الفقاعات الاجتماعية لبيروت يوم الأحد 8 أيار/مايو. من داخل دوائر المجتمع المدني يمكن أن يتلاقى المرء في الحانات والمقاهي مع أنشط الناشطين. صبايا وشباب يرتدون قمصانا بيضاء ينتشرون في كل مكان بهيئة شبابية فرحة تغذيها نشوة العمل الجماعي من أجل التعبئة السياسية. متطوعون من أعمار مختلفة يعبئون من دون كلل أصدقائهم والعائلات لأن “كل صوت مهم” و”يجب الفوز. نريد التغيير”. شباب هبسترز عصريون من الطبقة العليا لبنانيون يتوقون للتغيير “لأننا لم نعد نحتمل” و”نريد شوارعا نظيفة، وزحمة سير أقل ونريد حلا مستداما لأزمة النفايات”. التقيت ببعض هؤلاء الشبان والصبايا في سوق الأكلسوق للأطعمة المرتفعة الثمن في وسط بيروت- من ناشطي حملة بيروت مدينتي. تبادلنا أطراف الحديث حول الانتخابات المقبلة وسط أصوات صاخبة لموسيقى أوروبية هابطة تنبعث من الخلفية. حماسهم لحملة بيورت مدينتي عبروا عنه بلكنة أميركية جعلت المرء يشعر أن حملة بيروت مدينتي متشابهة مع حملة بيرني ساندرز. 

في المقابل، خارج الدائرة الآمنة للمجتمع المدني ساد جو من اللامبالاة السياسية على كثير من شوارع بيروت. عدم الاهتمام بالسياسة وبالانتخابات المقبلة كانا حاضرين خاصة في المناطق التي كانت تعتبر مؤيدة لتيار المستقبل. في يوم الانتخابات “الخزان السني الانتخابي” المؤيد للحريري في منطقة الطريق الجديدة لم يُغرق مراكز الاقتراع كما كان سعد الحريري يتمنى. على العكس من ذلك، عمت شوارع منطقة الطريق الجديدة حالة من اللامبالاة وعدم اكتراث بسياسات تيار المستقبل. كانت خيبة الأمل من الحريري أكبر من أي وقت آخر، العديد من مؤيديه تمنوا أن يشهدوا خسارته في 8 أيار/مايو. منذ سنتين كان التعبير عن هذا الشعور يحصل وراء الأبواب المغلقة، أما اليوم فبتنا نسمعه في الشوارع، “نريد أن يخسر [الحريري] في الانتخابات، كدرس للوضع المقرف الذي وصلنا إليه” قال رجل أربعيني، يرتدي بزة رسمية، حيث كان يحث جيرانه في شارع عفيف الطيبي لمقاطعة الحريري. بمثل هذا الازدراء المعبر عنه علنا دون أن يولد أي رد فعل سلبي تجاهه وسط منطقة الطريق الجديدة يعني أن الحريرية قد تجاوزت تاريخ صلاحيتها كممثلة سياسية للسنة في لبنان.

في تلك الأيام هيمنت على شوارع منطقة الطريق الجديدة حالة من الاستلاب الاجتماعي والبارانويا. تلك الشوارع تعيش اليوم تداعيات وآثار جانبية للعقد الأخير للرهانات السياسية الطائفية السامة للحريري. زوايا الشوارع التي اعتاد الشباب أن يتسكعوا فيها، بعضهم من العمال والعديد منهم عاطلين عن العمل، بات الرجال أنفسهم يتجنبونها. أولئك الذين اعتادوا على قضاء وقتهم في زوايا الشوارع يأكلون بذر دوار الشمس أو عندما حول تيار المستقبل هذه الزوايا لمراقبة الأحياء الشعبية- خلال وقبل وبعد اشتباكات أيار/مايو عام 2008- باتوا اليوم بعيدين عن الأنظار. بعض الرجال الذين كانوا يتوافدون إلى هذه الزوايا “ذهبوا إلى سوريا ولم نعد نسمع عنهم شيئا مذاك” وآخرون “ذهبوا إلى سوريا واستشهدوا هناك” و”المحظوظون ركبوا المراكب وباتوا اليوم في السويد أو ألمانيا”. أما من بقي في الشوارع فقد باتوا محبطين ومفتتين، تملأهم مشاعر مليئة بالكراهية والريبة من بعضهم البعض. هؤلاء الرجال الذين اعتادوا تنشق الشوفينية السنية التي كان يبثها زعماء تيار المستقبل لا يتقبلون اليوم أن يطعن بظهورهم نفس الزعماء. وقد وقعوا اليوم في لعبة كريهة: الوشاية ببعضهم البعض لفرع المعلومات.

فرع المعلومات أنشأه، رئيس الحكومة الأسبق، رفيق الحريري، بات اليوم تحت نفوذ وزير الداخلية المنتمي لتيار المستقبل، نهاد المشنوق. فرع المعلومات يمثل نموذجا للتفكك الطائفي لكل مكون من مكونات الأجهزة الأمنية في الدولة اللبنانية. وعادة ما ينظر إليه العديد من المواطنين اللبنانيين المنتمين إلى المذهب السني بأنه “فرعهم الأمني” ولكن قبضة هذا الفرع الشديدة استعملت ضد الجميع. منذ النهاية المأساوية لاحتجاجات صيف عام 2015 تحول المجتمع المدني من العمل المباشر للحشد للانتخابات البلدية فيما بينهم، وفي الوقت عينه عمل فرع المعلومات على استراتيجية الاحتواء. الفرع الأمني يعمل بين أفقر شباب بيروت: استمالة الوشاة، خلق ثقافة من البارانويا وانعدام الثقة؛ اعتماد سياسة فرق تسد في الأحياء الشعبية الفقيرة. وفي حين تحولت بيروت إلى مدينة أمنية تسلل فرع المعلومات في بعض قطاعات المدينة لفرض هيمنة على الشوارع والسيطرة على عدة شبكات. بالإضافة إلى ذلك، ممارسات فرع المعلومات القمعية وجدت حليفا لها تمثل بعصابات حركة أمل حيث هاجما معا المتظاهرين السلميين في الصيف الماضي.

لقد تحدثتُ إلى شابين التقيت بهما للمرة الأولى عام 2008. في ذلك الوقت كانا من بين المجموعات الذكورية المفتولة العضلات الطائفية التي اعتادت على مراقبة زوايا الشوارع في وقت كان مناصرو تيار المستقبل يلعبون الورق ويدخنون في الخارج “منتظرين هجوم الشيعة”. التقيتُ بربيع وأحمد في شارع جانبي بمنطقة قصقص. بعد أن تبادلنا المجاملات سألتُهما عن الأوضاع في المنطقة. “ماذا؟ ألم تسمع؟ أين كنت؟ ألم تعرف ما فعل بنا المشنوق؟” رد أحمد وربيع متأسفين عندما سألت عن بقية المجموعة. “لم يعد أحد يثق بأي شخص بعد الآن، باتوا يشون ببعضهم البعض للمعلومات”. وفي وقت كنت أتجول مع أحمد وربيع أخذتُ أراقب واقع يكشف ديناميات العلاقات الاجتماعية لمن هم في الشوارع؛ وكيف ينظر الناس إلى بعضهم البعض، وكيف كان الرجال يشيرون بأصابعهم من وراء ظهورهم إلى الوشاة أو إلى رجال فرع المعلومات المارين على الدراجات النارية.

وفي وقت كنا نشرب القهوة ونتبادل أطراف الحديث لم يكف ربيع عن التذمر من واقع أنه لم يجد أحدا لإقراضه 5 آلاف دولار حتى “يستطيع الخروج من هنا وعدم العودة أبدا”. سألتهما عن الانتخابات المقبلة وإذا كانوا سيذهبون للتصويت. أصر ربيع أنه إذا كان ذلك وسيلة لجمع الأموال “فهذا ما نريده. غير ذلك لا نريد أن نشارك في السياسة وألاعيب الحريري”. أحمد أسكت ربيع لأنه شعر بالاستفزاز من منطق ربيع فعبس وهمس باستهجان في أذنه “كل ما تفكر به هو المال. كم مرة ذهبنا إليهم [تيار المستقبل] حتى يبيعونا ومن ثم يشترونا؟” ومن ثم، التفت أحمد إلي، مقطب الوجه وتتصبب من جبينه حبيبات العرق، وبصوت لطيف قال لي: “الحياة أصبحت أصعب. المرء يجب أن يخشى الله ويصلي من أجل الخلاص، نحن نعيش في نهاية الزمان. الناس يفقدون كل أخلاقهم. وهذا لا يطاق، الناس يبيعون بعضهم البعض للحصول على بطاقة وحدات لشحن هواتفهم الخلوية أو لشراء الوقود لدراجاتهم الناري”. كان أحمد يتحدث عن المبالغ الضئيلة التي يدفعها فرع المعلومات للوشاية بارتكابات تافهة. ففي كل مرة يشون بمدخن سيجارة حشيشة أو سارق قطع سيارات يحصلون على الفتات. أو أسوأ من ذلك، الوشاية تبدأ باستغلال المناصب لإقامة خصومات عن طريق اختلاق الاتهامات. من الواضح، أن استياء الناس ليس موجها ضد الوشاة، إنما تجاه سياسيَين سنيَين: نهاد المشنوق وسعد الحريري. “سعد وأزلامه يلعبون بنا ويبيعوننا، لم يتركوا لنا شيئا في بيروت واليوم المشنوق يريد أكل الأخضر واليابس”، قال ربيع في حين كان ينظر إلى أحمد للموافقة على حديثه. أحمد، هز رأسه موافقا، وقال إن “المشنوق يريد تأديبنا، وأطلق فرع المعلومات لهذا الغرض ولاستغلال فقر الناس، فيستخدم نقطة الضعف ضدنا. وهم يعرفون أن الناس مفلسة ويتم شراءها بسهولة وبأرخص الأسعار”.

ليس من قبيل المبالغة القول إنه ومنذ نشأة الدولة اللبنانية يعتمد الأغنياء أو العائلات البرجوازية التابعة للاستعمار على المؤسسات الأمنية لامتهان الإنسانية وبث الفرقة ومعاقبة الفقراء بسبب فقرهم. وزير الداخلية الحالي، نهاد المشنوق، صنع لنفسه اسما بين المتظاهرين كـ “حارس للطبقة الثرية في لبنان”. مؤسسات الدولة اللبنانية المختلة تجندت لقمع المتظاهرين السلميين بكفاءة غير مسبوقة. وأثبت وزير الداخلية أن الدولة تقوم “بوظائفها” حين يتعلق الأمر بحماية الممتلكات المخصخصة.

اليوم، يعزم وزير الداخلية على سحق أفقر قطاعات المدينة لضرب وحدة أولئك الذين يعانون من البطالة أو شبه البطالة، ومعاقبتهم بسبب فقرهم ومنع تمردهم. أولئك الذين لا يستطيعون الذهاب إلى الأماكن المخصخصة أو إلى الحانات/المقاهي ينتهي بهم الأمر في تمضية ليالي الصيف الحارة في الشوارع. ثقافة الوشاية الجديدة خُلقت لتكفيك روح التضامن بين الناس الذين لا يمتلكون امتيازات التنظيم والإضراب؛ أولئك الذين اعتادوا على إغلاق الشوارع بالإطارات المشتعلة احتجاجا على الانقطاع الشديد للتيار الكهربائي أو انقطاع المياه أو حين تكدست النفايات أمام بيوتهم اليوم باتوا لا يثقون ببعضهم البعض. في نهاية المطاف، حالة الارتياب التي أنشأتها الوشاية تمنع الاندماج بين مختلف الفقاعات الاجتماعية في بيروت. حالة البارانويا حثها سحق روح التمرد عند قطاع واسع من الشباب الذي كانوا في طليعة الاحتجاجات في الصيف الماضي وتلقوا القسم الأغلب من قمع الشرطة الوحشي.

وهكذا، وقبل أسبوع واحد من الانتخابات القسم الوحيد من الشعب الذي حركته الدوافع السياسية بكثير من الحماس كانوا شباب الأشرفية ومار مخايل وبدارو والحمرا. وهم يشكلون ديمغرافية المجتمع المدني التي تمظهرت أمامنا من خلال حملتين منقسمتين: “بيروت مدينتي” و”مواطنون ومواطنات في دولة”. في 23 نيسان/ابريل، وقبل أسبوعين من يوم الانتخاب أصدر وزير الداخلية تعميما غير مسبوق طلب بموجبه من المحافظين “إقفال جميع الملاهي الليلية”، و”طلب إقفال المقاهي والمطاعم عند الساعة الواحدة بعد منتصف الليل من يوم السبت الذي يسبق كل مرحلة انتخابية”. اعتبر العديد من ناشطي المجتمع المدني أن هذه الخطوة تحد من القدرة على تعبئة الناخبين، ضربة لأولئك ينشطون بين كؤوس الشراب وسط أجواء احتفالية مبهجة.

“عندما يفوزون سينضمون إلى السياسيين وسيصبحون مثلهم”. هذه الملاحظة تشاركها الكثيرون ممن لا يؤمنون بأن التغيير لا يمكن أن يأتي من داخل النظام السياسي الفاسد في لبنان. هذه اللامبلاة تجاة السياسة نبعت من حقيقة أن الناس قد فقدوا الثقة في كل مكونات النظام السياسي الحالي والدولة كمؤسسة يفترض أن تعمل لصالح الجميع. وقد تزايدت حيرة الناس لمواكبة أولئك الذين يدعون للتغيير أي المجتمع المدني: “اليوم الأول يتظاهرون لإسقاط النظام وفي اليوم الثاني يترشحون إلى الانتخابات للانضمام إلى نفس النظام السياسي”، هو شعور ردده الكثير من الناس. من الواضح، أن تردد المجتمع المدني في التقاط روح التغيير الجذرية جعله يبدو خجولا وغير صالح لتجسيد خط ثالث خارج الثنائية السياسية المتمثلة بـ 8 و14 آذار/مارس. كثيرون في لبنان يتحدثون عن ضرورة التخلص من الأحزاب السياسية القديمة، وخطورة الوضع تعني أن الناس مستعدة للمضي قدما وراء ما رمزت إليه التظاهرات والشروع بتغيير جذري يحقق حلولا جذرية.

أمل أو وهم؟

ربما أفضل طريقة لتوضيح حملة بيروت مدينتي هي عبر رؤيتها بما هي عليه: مسابقة للابداع والتصميم للترويج لحلول العالم الأول. ربما كانت حملة بيروت مدينتي مقدمة لأسبوع التصميم في بيروت، منذ أن صورت الانتخابات البلدية من خلال أشرطة فيديو انتشرت عبر وسائل الإعلام الاجتماعية مظهرة خمسين درجة من مدينة مستقبلية ولكن ليست بيروت. كل ذلك جعل المرء يفكر أن مشكلة فشل الدولة في لبنان ستُحَل من خلال أفكار التصميم الإبداعي التي تنتج المزيد من “التحسين العقاري”. بعبارة أخرى، كانت حملة بيروت مدينتي رؤية 1 بالمئة يسقطون أحلام 1 بالمئة على 1 بالمئة.

كل أنواع الأحلام المستوردة من العالم الأول غمرت الخط الزمني في وسائل التواصل الاجتماعي خلال الحملة الانتخابية واعدة (بغير واقعية) ببيروت رائعة جديدة. والمدينة الموعودة ليست سوى المدينة الموجودة حاليا: ناد خاص جذاب لأولئك الذين استولوا عليه.

أفضل ما يمكنه وصف الانتخابات الأخيرة هو أنها كانت تنافسا بين رؤيتين رأسماليتين أو طريقتي إنتاج. كل من الطبقة الحاكمة ورجال الأعمال الطموحين تنافسوا لتنفيذ رؤاهم الرأسمالية. من جهة لدينا المدرسة القديمة للسياسات البرجوازية الطائفية-المافياوية-الإقطاعية الرأسمالية وجدت نفسها في مواجهة خصم يرتدي نفس السترة الرأسمالية النيوليبرالية. كانت أعين الطرفين تتجه إلى بقرة واحدة في لبنان حيث الجميع يريد الحليب: قطاع الخدمات. الجعجعة السياسية والحملات الانتخابية حول كيفية الترويج للقطاع الخدمات التي غمرت الخط الزمني لوسائل التواصل الاجتماعية قبل أيام من الانتخابات. في الأسابيع التي تلت انتخابات بيروت استعدت بقية المناطق للانتخاب، ولكن الدعوات العالية النبرة لـ “التغيير والإصلاح” التي سبقت انتخابات بيروت خمدت في بيروت في اليوم الذي أعقب الانتخابات حين انتزعتها القوى المسيطرة. هذه اللامبالاة تجاه بلدات ومدن أخرى خارج العاصمة توضح النطاق الضيق للتغيير الذي يحد المجتمع المدني نفسه. وواقع أن أي إجراء قانوني لم يتخذ ضد التزوير الموثق للانتخابات من القوى المهيمنة يعني أن المجتمع المدني كان متراخيا معهم.

فراغ سياسي

قبل يوم من الانتخابات البلدية لاحظتُ موقفين سادا شوارع الطريق الجديدة: إحدى الزوايا شهدت صخب الانتخابات المألوفة أما الزاوية الأخرى فسادها شعور من اللامبالاة وانعدام ثقة متزايد بالتمثيل السياسي المحلي. نُظِمت حملة انتخابية مدفوعة: أُقيمت الخيم البلاستيكية في الزوايا تظلل الكراسي البيضاء الفارغة؛ نُظِمت مسيرات للدرجات النارية التي جالت حول منطقة الطريق الجديدة مسببة إزعاج شديد. وبدلا من تشجيع ناخبي المستقبل فقد تحول كل ذلك إلى مصدر للإزعاج للسكان الذين استثيروا فشتموا سائقي الدراجات النارية و”حريرهم”. وقد تحدثت إلى مجموعة من 5 سائقي دراجات الذين ألصقوا عليها صور سعد الحريري وملصقات تيار المستقبل. بالنسبة لهم كل المسألة تتعلق بوقود مجاني للدراجات و”بعض المال السهل” للقيام بما يحلو لهم: القيادة وإطلاق أبواق دراجاتهم والسير بها على دولابها الخلفي والقيام بكل ما من شأنه أن يشكل مخالفة سير يمكن أن يلاحقوا بسببه لو قاموا به خلال أي يوم عادي. بهذا تتلخص الانتخابات البلدية لهؤلاء الشباب والعديد من أقرانهم في الطريق الجديدة. ومن بين الذين تحفظوا عن التحدث علنا قالوا: “سعد (الحريري) ضعيف، ولن يكون قادرا على تمثيلنا نحن السنة كما فعل والده”. وكان واضحا أن القاعدة الداعمة للحريري فارغة، أو، بعبارة أدق، غير متاحة له، كما ظهر في نسبة المشاركة المنخفضة في يوم الانتخابات. ومع ذلك، السياسة البديلة المفترضة لبيروت مدينتي لم يُسمَع لها صوت في الطريق الجديدة (البعض يقول أنه رأى شعارات لبيروت مدينتي فيها على الفايسبوك). بيروت مدينتي أو مواطنون/ات في دولة لم يقرعوا أي جرس لسائقي الدراجات النارية؛ وذلك يعني أن نطاق حملة “المجتمع المدني” لم تتخط حدود الفقاعة(ات) الاجتماعية. وأعربت أغلبية الناس الذين التقيت بهم في الطريق الجديدة عن عدم إيمانهم بالسياسة وأبدوا شعورا عاما تجاه بيروت مدينتي/مواطنون/ات في دولة “كلهم يتشابهون؛ إذا كانوا اليوم نظيفين فإنهم سيصبحون فاسدين مثل الموجودين حاليا (السياسيون)”. هذا الشعور هو صدى للشعار الذي أطلق خلال احتجاجات الصيف الماضي: كلن يعني كلن.

الاستياء من الحريري ليس جديدا، فقد تراجعت شعبيته باستمرار خلال السنوات الأخيرة، ولكن اليوم يتم التعبير عن ذلك بصوت أعلى. الأصوات البيروتية التي يحتاجها للفوز والاستمرار بالسيطرة على بلدية بيروت لم تصوت يوم الانتخاب للائحته “زي ما هي”. “زي ما هي” كان شعار رفيق الحريري خلال ذروة أيامه عندما جسد شخصية بطريرك السنة، “أبو الفقراء” كما يتصوره أنصاره.

بالإضافة إلى ذلك، قاعدته الانتخابية في بيروت وفي مناطق أخرى قد حادت عنه في حين ذهب إلى التزلج. “شكرا لسعد الحريري وعائلته. الفلسطينيون ليسوا وحدهم من يعيش في مخيمات” قال عمر مصري، 34 سنة، الذي كان في طريقه إلى عمله الثاني كحارس في شركة أمنية خاصة لحماية مبنى في منطقة الطبقة الغنية برأس بيروت. “في البداية والده ومن ثم هو (سعد الحريري) تابع إجبار البيروتيين للخروج من العاصمة وهم اليوم في عرمون. هذا هو مخيم اللاجئين السنة الذي أعطانا إياه الحريري. أنا أقيم في برجا وأعمل في بيروت، ولكنني أكرهها وأكره حياتي في برجا. لم أتوقف أبدا عن التفكير والندم على اليوم الذي غادرنا فيه بيروت، كان أسوأ يوم في حياتي. أريد العودة للعيش في بيروت ولكن الأمر بات مستحيلا، بيروت مكلفة للغاية ونحن لن نستطيع العودة إليها. كيف يجرؤ الحريري أن يظهر [على الإعلام] ويطلب منا أن ننتخبه. تيار المستقبل دعاني اليوم وقال لي: عليك أن تنتخب، قلت لهم: لا، لن أنتخب، إذا أمنوا لي وظيفة براتب يوم الانتخاب سأقوم بها، ولكن لن أصوت. حتى لو دفع لي تيار المستقبل ثمن صوتي فلن أعطيه لسعد. أنا أعيش في برجا لماذا يتوقع مني الحريري أن أصوت في بيروت؟ فهو لم يترك لي أي شيء في بيروت”.

في نهاية الأمر، الغش والخداع أديا إلى فوز الحريري والطبقة المهيمنة في الانتخابات البلدية في بيروت. ولكن انخفاض نسبة المشاركة في بيروت وخسارة الحريري في طرابلس تعنيان أن سيطرته (أو تيار المستقبل) قد تكون شارفت على نهايتها كزعيم سياسي للسنة في لبنان.

هذا الجمود السياسي الطويل هو جوهر النموذج اللبناني: تجزئة العدد القليل من السكان بواسطة مافيا سياسية تتلاعب بهم بواسطة سياسات الهوية. هذا الوضع يجعل مسألة التغيير صعبة التحقيق عندما يصبح مستحيلا التشبيك والتنظيم في نفس الشارع. في هذه المرحلة يبدو أن الناس قد فقدوا القدرة على الوحدة ضد عدو مشترك. الدولة، والفروع الأمنية، لا تضيع أي جهد لمنع، بكل الوسائل المتاحة، لإقامة الروابط بين الناشطين أصحاب الامتيازات من الطبقة الوسطى والمنتمين للمجتمع المدني وكل الذين يعيشون خارج فقاعات بيروت المدعية. التغيير الحقيقي يتطلب تضامنا حقيقيا، وذلك يحصل عبر التواصل والتشبيك ولاحقا التنظيم على صعيد البلد ككل لحركة تهدف إلى اختراق الانقسامات الاجتماعية والطبقية. الكلفة يجب تفهمها من حيث التضحيات التي ستنجم عن تنظيم صراع قاس طويل الأمد. الوقت هو الآن لحشد الطاقات الشبابية؛ لامتلاك الشجاعة والانضباط للعمل معا ووضع الوسائل الاستراتيجية للنصر. منذ تظاهرات الصيف الماضي، أدركنا أن الهدف ليس إيصال بعض الأفراد أو المجموعات إلى السلطة لكن الضرورة التاريخية تكمن بإنهاء الفوارق الطبقية وحشد الضربة القاضية لتحطيم النظام الطائفي ككل.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s